حسن الأمين

50

مستدركات أعيان الشيعة

العلمية ذات الشأن في الدراسات والبحوث المعروفة عند العلماء المنهجيين : الايمان بالعلم يطالعنا جابر بن حيان في كتابه « إخراج ما في القوة إلى الفعل » ( 1 ) بهذا التساؤل : كيف يظن العجز بالعلم دون الوصول إلى الطبيعة وأسرارها ؟ . . ألم يكن في مستطاع العلم أن يجاوز الطبيعة إلى ما ورائها ؟ . . فهل يعجز عن استخراج كوامن الطبيعة ما قد ثبتت قدرته على استخراج السر مما هو مستور وراء حجبها ؟ . . لقد جاء هذا التساؤل في معرض الكلام على علم الكيمياء بالذات ، أي العلم الذي يستطيع الكيميائي بوسائله أن يبدل طبائع الأشياء تبديلا يحولها بعضها إلى بعض . ولكن المضمون الذي يحتويه هذا التساؤل لا يقتصر شانه على علم بعينه ، بل يكشف عن عمق إيمان الرجل بالعلم من حيث هو علم ، وعن إيمانه - في الوقت نفسه - بالعقل الإنساني الذي يستنبط قواعد العلم ويستخدم وسائله في كشف أسرار الطبيعة والكون . ويؤكد جابر ثقته بالعلم واعتماده إياه سبيلا لاكتناه الأسرار الكونية ، بكلام رائع الدلالة على منهجيته الدقيقة ، حين يقول : إن أسرار الطبيعة قد تمتنع على الناس لأحد سببين ، فاما أن يكون ذلك لشدة خفائها وعسر الكشف عنها ، وأما أن يكون للطافة تلك الأسرار بحيث يتعذر الإمساك بها . وسواء كان الأمر هو هذا أو ذاك ، كان في وسع الباحث العلمي أن يلتمس طريقا إلى تحقيق بغيته ، فلا صعوبة الموضوع ولا لطافته ودقته مما يجوز أن تحول العلماء عن السير في شوط البحث إلى غايته . ( 2 ) وفي هذا التقرير ما نرى من وضوح التفكير العلمي السديد ، ومن النظر إلى قضايا الكون الطبيعية نظر الباحث عن الحقيقة الموضوعية بمنظار اليقين بالحقيقة الموضوعية هذه ، دون اللجوء إلى الأحكام الميتافزيقية المطلقة عند اصطدامه بشعور العجز في أول الطريق ، أو في بعض أشواطه البعيدة عن الغاية . نظرية المعرفة ما ذا يقول جابر في مصدر العلم عند الإنسان ، أي في ما اصطلحنا على تسميته - « نظرية المعرفة » ؟ . . والسؤال هنا ذو شان هام في تحديد منهجه العلمي . ذلك بان الرأي في مصدر المعرفة هو المقياس الفاصل بين منهج ومنهج ، أو بين من يؤمن بالعقل الإنساني وبالوجود الموضوعي للكون والطبيعة وبين من لا يؤمن . . هل المعرفة ، أو العلم ، فطرة كامنة في الإنسان تحصل تلقائيا حين يتاح لها من الأسباب ما يظهرها من « القوة » إلى « الفعل » ؟ . . أم هي اكتساب من تجارب العقل وممارسته كشف حقائق الوجود الخارجي ومن تعلم الإنسان هذه الحقائق ، أي إنها - في هذا الحال - انعكاس للعالم الخارجي الموضوعي لدى القوى العقلية والشعورية في الإنسان ؟ . . كان سقراط يقول بالرأي الأول ، وهو الرأي الذي يدخل في نطاق التفكير المثالي الميتافيزيقي الذي ينكر الوجود الموضوعي للكون . لكي نستخلص رأيه كاملا في هذه القضية ، علينا أن لا نكتفي ببعض النصوص دون بعض ، ولا بالنصوص ذاتها دون النظر إلى نشاطه العملي في حقل العلم ، وإن جابرا نفسه ليوصينا بهذه الطريقة ، وهي بذاتها طريقة منهجية سديدة ، حين يشترط على قارئي كتبه أن يجمعها كلها أولا ، قبل أن يهم بقراءة بعضها ، ليضيف ما في كل كتاب منها إلى ما في الآخر ، لأن الكتاب الواحد قد ينفرد بمعنى لا يشاركه فيه غيره . ( 3 ) كما يشترط على القارئ أن يقرأ كل كتاب من كتبه ثلاث قراءات متتالية : قراءة للتثبت من صحة ألفاظ النص ومن معاني تلك الألفاظ ، وقراءة لدراسة هذا النص للوصول إلى مدلولاته البعيدة الخفية ، وقراءة لتبويب المعاني وتصنيفها لعلنا نجمع الشبيه إلى الشبيه ، أو نوازن بين المتباين منها تصنيفا وموازنة يبلغان بنا الغاية المرجوة من موضوع الدراسة . ( 4 ) هذه الوصية ، كما ترى ، تدخل في صميم المنهج العلمي السليم عند جابر ، وإنما ذكرناها هنا استطرادا في سبيل البحث عن رأيه في نظرية المعرفة . إذا رجعنا إلى النصوص نجد جابرا يقول في رسالة « التجميع » ( مختارات كراوس ص 377 ) : إن « النفس لا تكون عالمة أولا بالضرورة » ، أي إنها لا تولد مزودة بالعلم ، بل هي « قادرة فاعلة جاهلة » ( ص 378 ) : وهذا كلام صريح بان العلم عنده ليس قائما في النفس بفطرتها ، بل هو استعداد وقدرة على اكتساب العلم من الخارج . ولكن جابرا يقول ، في المقالة الحادية والعشرين من « كتاب الخواص الكبير » ( مختارات كراوس ، ص 315 ) : « تأخذ - يقصد كتبه - علم النبي وعلم سيدي - يقصد جعفر الصادق - وما بينهم من الأولاد ، منقولا نقلا مما كان [ ] وما هو كائن وما يكون من بعد إلى أن تقوم الساعة » . . ويقول في المقالة الرابعة والعشرين من الكتاب نفسه ( ص 317 ) : « فوالله ما لي في هذه الكتب إلا تاليفها ، والباقي علم النبي ص » . . . فكيف نجمع بين القولين ؟ . . هناك مرجع أخر لاستخلاص مذهبه في « نظرية المعرفة » ، هو منهجه التجريبي في حقل البحث والنشاط العملي ، فما ذا نرى في هذا المرجع ؟ . . نرى الرجل شديد التمسك بالمشاهدة والتجربة العملية بنفسه للوصول إلى المعرفة والوثوق بها . وفي هذا الصدد يقول في المقالة الأولى من كتاب « الخواص الكبير » ( مختارات كراوس - ص 232 ) ، حين يتحدث عن الكتب التي بحث فيها خواص الأشياء : « إنا نذكر في هذه الكتب خواص ما رأيناه فقط ، دون ما سمعناه أو قيل لنا وقرأناه ، بعد أن امتحناه وجربناه ، فما صح أوردناه ، وما بطل رفضناه ، وما استخرجناه نحن أيضا وقايسناه على أقوال هؤلاء القوم » . وفي كتاب « التجميع » ( مختارات كراوس - ص 381 ) حيث يوازن بين النبات والحيوان من حيث الطبائع ، ثم يقسم عالم النبات إلى أول ، وبليد ، وذكي ، يقول ما معناه : إنني لم أقسم النبات إلى هذه الأقسام الثلاثة لمجرد علمي بان الحيوان ينقسم إليها ، بل إنني قسمته إلى هذه الأقسام لأنني وجدته كذلك . ( 5 ) وفي موضوع الخواص والموازين ، حيث يبحث خصائص الأشياء

--> ( 1 ) نشر « كراوس » - ص 7 . ( 2 ) المصدر السابق - ص 8 ( تلخيص زكي نجيب محمود في « جابر بن حيان » - ص 43 ) . ( 3 ) المقالة الثانية والستون من كتاب « الخواص الكبير » مختارات كراوس - ص 331 ( تلخيص زكي نجيب محمود - ص 51 ) . ( 4 ) المصدر السابق ، ص 329 . ( 5 ) تلخيص زكي نجيب محمود - ص 164 .